نجم الدين الكبرى
71
فوائح الجمال وفواتح الجلال
يتنقّب لئلا يفتتن به الناس ! فأحبّ يلواج الشيخ ، ووضع بين يديه ألف دينار ، فما التفت إليها . . وكان بايقوا ( قائد مغولى ) ظالما غاشما سفّاكا ، قتل أهل ترمذ حتى الدواب والطيور والتحق به كل مفسد ، فشغبوه على الباخرزى ، فطلبه إلى سمرقند مقيدا ؛ فقال الباخرزى « إني سأرى بعد هذا الذّلّ عزّا » فلما قرب من سمرقند مات بايقوا ، فأطلقوا الشيخ وأسلم على يديه جماعة ( من التتار ) وعرف الشيخ بين التتار بألغ شيخ ، يعنى الشيخ الكبير ، وبذلك كان يعرفه هولاكو . وقد بعث بركة بن توشى بن جنكز خان إليه رسولا ليأخذ له العهد بالإسلام ( وسوف يساعد بركة هذا المسلمين ضد هولاكو ابن عمه ) وكان لبركة أخ أصغر منه اسمه « باتوا » وكان مع كفره يحبّ الشيخ ، فلما عرف أن أخاه بركة قد صار مريدا للشيخ ، فرح واستأذنه في زيارة الشيخ ، فأذن له ، فسار من بلغار إلى حند ثم إلى أترار ، ثم أتى بخارى ، فجاء بعد العشاء في الثلوج فما استأذن إلى بكرة . يقول الذهبي : فحكى لي من لا يشك في قوله أن بركة خان قام تلك الليلة على الباب حتى أصبح ، وكان يصلى في أثناء ذلك ، ثم دخل فقبّل رجل الشيخ ، وصلى تحية البقعة ؛ فأعجب الشيخ ذلك . . وأسلم جماعة من أمراء بركة خان ( المغوليين ) وأخذ الشيخ عليهم العهد ، وكتب له الأوراد والدعوات ، وأمره بالرجوع ، وكان عنده ستون زوجة فأمره باتخاذ أربع وفراق الباقيات ففعل ، ورجع وأظهر شعار ملة الإسلام ، وأسلم معه جماعة ( من التتار ) وأخذوا في تعلّم الفرض ، وارتحل إليه الأئمة . . ثم كانت بينه وبين ابن عمه هولاكو حروب ، ومات بركة خان في ربيع الآخر سنة خمس وستين - وستمائة - وكانت خيراته متواصلة إلى أكثر العلماء « 1 » . وهكذا هدى اللّه ، بلطفه الخفي ، حكام المغول ( التتار ) إلى الإسلام ، على يد الباخرزى تلميذ نجم الدين الكبرى ، الذي ضرب أستاذه أروع الأمثلة في التضحية بالنفس وهو يجاهد في سبيل اللّه بالرمح والحجر - وكان الجد الأول لأطفال الحجارة في الانتفاضة الفلسطينية المعاصرة - ولقد استفزّ إسلام بركة خان حفيظة
--> ( 1 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 23 / 366 .